كرنفالُ عيد السيدة في وادي النصارى

حظيَ المتطوعون في يومِ 14 آب/أغسطس أي في عشية عيد انتقال السيدة العذراء إلى السماء، بفرصة المُشاركة في كرنفال بلدة مرمريتا التقليدي في وادي النصارى. واستقطبَ هذا الحدث حشوداً غفيرة في هذا العام ليسيروا معاً في شوارع البلدة يترأسهم تمثال السيدة مريم العذراء.

في الصباح الباكر أتى كل من رامز السائق وصديق الجمعية، وفراس المهندس المدني في مكتب الجمعية بحمص بصُحبة ابنتيه، بالإضافة إلى بعض المتطوعين والموظفين السوريين لنحتسي معاً فنجانَ قهوةٍ ومن ثمَّ حُزمت الحقائب وانطلقت الحافلات باتجاه وادي النصارى.
 
لقد سكن المسيحيون هذا الوادي منذُ قديم الزمن، وهو وادٍ طبيعي في القسم الغربي من سوريا، ويقعُ في منتصف الطريق بين مدينة حمص من الشرق والساحل السوري من الغرب. وينحدر أغلبية سكانهُ وهم من الروم الأرثوذكس من قُرى شمال #لبنان المسيحية، إذ هاجروا من قُراهم في منتصف القرن التاسع عشر نتيجة المذابح التي ارتكبها الدروز بحقهم في جبل لبنان. كما ازداد تعداد قاطنيه من المسيحيين خلال الحرب الأهلية السورية ليغدو 200.000 نسمة مُقارنةَ بـ 80.000 نسمة في عام 2011، فقد أصبحَ الوادي ملجئ الكثيرين.
وبينما كانت الحكايات تُروى، قررتُ الانسحاب لتأمُل الإطلالة: فوادي النصارى ساحرٌ للغاية، إذ تملئهُ أشجار الزيتون والكروم وأشجار المشمش والأزهار من الشرق إلى الغرب. وتُذكرني هذهِ النضارة والألوان بالجنوب الفرنسي المُطل على البحر الأبيض المتوسط، ولكن هنا وفي الطرف الآخر من الوادي، تشمخُ قلعة الحصن التي أدهشتني بطرازها المعماري وجعلتني أغوصُ في التاريخ عائداً إلى الحقبة الصليبية وفرسان الهيكل وصلاح الدين، حقبة لم أعرفها سوى من خلال القصص، وأمّا اليوم فبين قلعة الحصن الشاهد الحي على حضور فرسان الهيكل في الشرق، وهواء البحر الأبيض المتوسط، أدركتُ أننا كأوروبيون نتشارك البحر نفسه والثقافة نفسها والمصير نفسهُ مع الشعب السوري.
 
لقد تشتت كل تأملاتي بعدَ دعوتي إلى صعودِ الحافلة للذهاب إلى مرمريتا الواقعة على بُعد بضعة كيلومترات، وبعد عشرة دقائق من السفر، وصلنا إلى شقة زين إحدى المتطوعات السوريات. لكن سُرعان ما أدركنا أننا نسينا شيئاً أساسياً، ألا وهو الماء وبعد أن تسببت درجة الحرارة التي لامست الاربعين مئوية بعطشنا، ذهبنا جميعاً إلى مطعم يقع أسفل المبنى حيث سنقضي ليلتنا، حيثُ يوفر هذا المطعم المُألف من ثلاثة مستويات والمُجاور لإحدى التلال، إطلال على المناظر الطبيعية الخلابة.
جلسنا على طاولة في الجزء السفلي من المطعم تحت سقفٍ من الدوالي ومحاطين بالأشجار التي كانت تحتمي فيها الطيور بحثاً عن الظلال، وتذوقنا الأطباق السورية. و تراكمت السجائر في منفضة السجائر تزامناً مع استمرار النقاشات عن وضع الشباب في سوريا. يتذكرُ المتطوعون السوريون سنوات الحرب وفقدانهم لأحباءهم أو أصدقائهم أو أسرتهم جرّاء الصراع، فتخبرنا إحدى الفتيات: “لقد سقطت القذائف وأُطلقَ الرصاص على رؤوس الطلاب عدّة مرات عندَ خروجهم من الجامعة، ومع ذلك واصلت الذهاب إلى الكلية في كل صباح وأستمريتُ في حياتي كما لو كان كل شيء طبيعياً، ولكن لم يكن أي شيء طبيعياً. ففي كل صباح عندما كنت استيقظُ ، كنت أعي بأنه قد يكون يومي الأخير”. لم تتركني هذه الكلمات الواعية غير مُبالٍ كما ذي قبل، فبدأت أتذكر سخافتي في كل مرة تذمرتُ فيها من الاستيقاظ صباحاً للذهاب إلى الجامعة، أو امتعضتُ لعدم عثوري على مكان شاغر في الحافلة…
 
بالعودة إلى وسط القرية، حدثنا فراس عن أصل الكرنفال: “في عام 1975 في عيد انتقال السيدة العذراء، تنكرت مجموعة من الشباب على نحوٍ عفوي وبنوا عربة صغيرة ليصعدوا ويروا تمثال العذراء المطل على الوادي. ونما هذا الحدث على مر السنين ليصبح اليوم حدثاً أساسياً في حياة السوريين الذين توارثوه جيلاً بعد جيل”. ولكن عُلق الكرنفال خلال الحرب الأهلية واستُئنفَ في عام 2019، ليُعلقَ مرة أخرى في عام 2020 نتيجة الأزمة الصحية. لذلك يحمل الكرنفال معانٍ كبيرة في هذا العام، إذ يطمح السوريون إلى تجاوز عشر سنوات من المعاناة والموت والدموع والدم.
وخلال السير في مرمريتا، فوجئت بالحشود التي جذبها هذا الحدث. ففي كل مكان على الأسطح، وأمام المحال التجارية، وعلى شرفات المباني، وقفت العائلات والأطفال وكبار السن القادمين من كل المنطقة. وكان الأطفال متنكرين والنساء والرجال يردتون ملابس يوم الأحد.
 
كنا نرى من مكانِ وقوفنا عرباتٍ مزخرفة، ومجموعات ترقص رقصاتٍ مُصممة بعناية بالإضافة إلى عزف الفرقة النحاسية. إلى أن عدنا إلى شقة زين بعد انتهاء العرض لنُكمل السهرة قبل العودة إلى المنزل بعدَ منتصف الليل والرأس مليئ بالذكريات والقلب بات سوري بامتياز.
 

إذا ما تعلمنا شيئاً في هذا العطلة، سيكون قوة وعزيمة السوريين الذين يرزحون تحت وطأة حربٍ دموية منذُ عشر سنوات، أفقدتهم كل شيء بشراً وحجراً. وتلتها أزمة اقتصادية أفقرت حالهم وزادت مأساتهم جرّاء فرضِ عقوباتٍ اقتصادية عليهم وأخيراً أزمة فيروس كورونا التي زادت الطين بلة… لقد شعرنا هنا بتمسُك الشعب السوري بالأمل والاتحاد والإيمان وتكريمهم للعذراء مريم والرغبة بالتغلب على ندبات الحرب المُترسخة في أغلب الأحيان.

مكسيم، متطوعٌ في سوريا.